قُضيَت الصلاة. إلتفَتَ إليّ رجل ناهز السبعين عن يميني فشدّ على يدي و قال “هوّن عليك…“. رمضان في لبنان له طعم جميل جدا، فرغم كل الحوادث الأليمة التي عصفت بهذا البلد، ظل رمضان كريما علينا كما عهدناه. سأقص عليكم مشاهد مختلفة من ليالي رمضان على مدى الأعوام الفائتة.

رمضان 2006

هناك، في وسط بيروت، حيث كانت الفوضى غائبة عن ساحاتها، شددتُ الرحال أنا و أصدقائي إلى أحد المساجد التاريخية فيها لنُحيي قيام ليلة السابع و العشرين من رمضان. إنه جامع العُمري الكبير. كانت ليلة باردة، تجوّلنا في وسط العاصمة ثم توجهنا إلى المسجد قبيل منتصف الليل. و مع إقتراب موعد إقامة الصلاة بدأ المطر ينهمر. و صلى بنا الشيخ أمين الكردي بصوت عذب خشعت له حجارة المسجد.

واشتد المطر، فما شهدتُه تلك الليلة من مطر متواصل حتى طلوع الفجر لم أرى مثله في حياتي. ما أحلى الصلاة عندما يصلك صوتُ الإمام ممزوجا بصوت قطرات الماء تتساقط السماء.

رغم هذا كله كان في نفسي تردّد. كان بها جفاف. كان بها بركان و لم يكن بها ثورة.

رمضان 2007

هناك، على مشارف مدينة صيدا، اجتمعتُ وأصدقائي في ليلة السابع و العشرين من رمضان. تبعد صيدا عن ضيعتي حوالي الساعة سيرا على الأقدام! كانت بيروت حينها غارقة في نزاعات بشعة و عبثية. وقع الإختيار على مسجد بهاء الدين الحريري. إنه مسجد حديث البناء، شيّده الرئيسي الراحل رفيق الحريري رحمه الله عن روح والده، و لي مع هذا المسجد قصص، بل لي معه روايات.

صلينا العشاء و التراويح و بقينا في المسجد إلى حين منتصف الليل نقرأ القرآن، وغفوتُ أنا قليلا ثم استيقظتُ نشيطا على غير عادة. سنبذل الليلة جهدا كبيرا، و أي جُهد؟! كل ركعة صلاها بنا الإمام إمتدّت لثلث الساعة وأكثر من ذلك. الدعاء حوالي ثلاث أرباع الساعة! وقفتُ صامدا أتلقى الآيات و الإبتهالات تخرج من فم ذلك الشيخ بصوت غير عادي، إسم الله عليه!

كان المشهد بدون مبالغة رهيبا، إذ بكى أكثر من نصف المصلين، إلا أنا! أنا المتررد، الجاف، البركان غير الثائر.

شاب كان يصلّي عن يميني فرط عِقدهُ وراح يبكي، لم أرى بكاءا مثل هذا، أقسم بالله. كاد أن يُغمى عليه. بكاء بصوت عال و ها هم المصلّون واحد تلو الآخر يتهاوون في مستنقع البكاء حتى أن لحظة سكوت من الإمام جعلت المسجد يبدو لي كمدينة أشباح … يا لحلاوة كلمات القرآن عندما تخرج من فم الشيخ حسن مرعب.

ثم دعا الإمام قُبيل الفجر. كنتُ قد استويت فوجدتُ نفسي لا إراديا أجهش بالبكاء فلم أجد من يمنعني عنه. كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أبكي فيها بهذا الشكل، وكأنه خيال. لما قُضيت الصلاة شعرتُ أنني ولدتُ من جديد.

رمضان 2008

هذه السنة لي عودة إلى بيروت الحبيبة. قبل يومين كنتُ أصلي في مسجد بهاء الدين الحريري و كان الشيخ حسن مرعب إمام المسجد هناك فصلّى بنا التراويح. عندما اقترب من الركعتين الأخيرتين، إذا بشريط الأحداث يتكرر. قبل ركعة الوتر أبكاني بشدة، ثم دعا في آخر ركعة الوتر فأبكاني مرة أخرى. قُضيَت الصلاة، إلتفَتَ إليّ رجل ناهز السبعين عن يميني فشدّ على يدي و قال “هوّن عليك…“.

غريب هو البكاء، له مفعول سحري في تطهير الأرواح و إعادة خلق الأجساد. أليس كذلك؟

– و أنّه هو أضحَكَ و أبكَى” {النجم:43}

كانت ليلة 27 رمضان إحدى الليالي الجميلة التي أحسبها لا تتكرر كثيرا. الصلاة في الجامع العمري لا تنتسى بسهولة ما دام الشيخ أمين الكردي يُدلي بدلوه على المصلين. تبدأ الصلاة عند منتصف الليل وتمتد إلى الفجر ويتخللها دعاء وذكر وصلاة التسابيح وطعام السحور.

هل ذُقت حلاوة البكاء أثناء الصلاة أو الدعاء؟ ما هي الظروف التي تجعلك تبكي (صوت الإمام أم حالتك النفسية أم كلمات القرآن … ؟؟) و كيف هي ليالي رمضان في بلدك؟ ما أخشاه أيها القارئ العزيز أن تكون وصلتَ إلى هنا في القراءة فتردّ عليّ فتقول أنك لا تصلّي و بذلك تضيّع عليّ كل ما كتبته!

التعليقات (13)

  1. إحسان

    للبنان السلام ..
    لمساجدها وشيوخها وأنقياءها ودموعها السلام ..
    لفتيات لبنان الطاهرات في صيدا وبيروت السلام ..
    لمشافي لبنان ومدارسها وأحياءها وأنهارها وجبالها الخضراء السلام ..
    للمطر الساقط في لبنان
    للأرض الورديَّة في لبنان
    للحجر الباسم في لبنان
    وللجمال ..
    :flower:

  2. farah m

    ليالي رمضان أم رمضان ولياليه فينا
    أشعر احياناً ان ما يبكيني هو الناس نعم الناس بغض النظر عن كل شيئ ٍ آخر .. جمعيهم أمامك يسجدون يكبرون يركعون في لحظة واحدة في المسجد الذي انا فيه والذي لا أتواجد فيه قلوبهم مجتمعة يعرفون أنفسهم هنا فقط اشعر بانسانيتهم بأرواحهم الطاهرة بقلوبهم النقية بكل ما يميز الفطرة هم هناك لانهم ارادوا ذلك لا شيئ يجبرهم .. أرواحهم فقط تدعوهم..
    اتمنى لو اني اقوم فأقبلهم واحضنهم ونتكلم عن نعم الله علينا عن استجابته لأدعيتنا عن فرحنا بطاعته عن حبه لنا وحبنا له ذلك الحب الأسمى والأرقى والأجمل ...

    كثيراً ما يصعب عليّ انهم يعودون للذنوب بعد مضي رمضان
    يصعب علي أنه بعضهم أحياناً يبكي رياء ... لكن أدعو الله أن يهديهم

    ما يبكيني للقمة هو كلمات القرآن منذ بدأت استوعبها منذ أربع سنوات كان ذلك يوماً لا ينسى مع صورة النبأ التي حفظتها منذ ان كنت طفلة ولم أفهمها حتى ذلك اليوم ..

    تدوينة رائعة عوني .. كل الخير :)

  3. عطاالله

    لا لن أقول لك هذا فأنا الحمد لله والفضل لله وحده أصلي وأرجو القبول من الله عزوجل ......
    بالنسبة للبكاء فأنا بطبعي دموعي سخية ولا أتمالك نفسي في مثل المواقف التي ذكرت وما يبكيني هو كلمات القرآن ومعانيها .... أشعر بأن من أنزل هذه الكلمات أعلم بنفسي مني وكم من معاني عذبة عميقة صافية ...... أحيانا كثيرة يخطر ببالي خاطر يشعرني بالرهبة .... فعلا هذا الكلام الذي أسمعه ليس بكلام بشر ..... هذه الكلمات مستحيل أن تخرج إلا من عند الله العظيم الجبار ... عندئذ تشعر بأن الدنيا مضحكة جداً لحد البكاء وبأننا غالباً ننشغل بأشياء هزيلة جداً
    حديثك عن لبنان جعلني أشتاق أكثر لزيارتها من جديد ..... هي جزء مني بالضرورة لأن جدتي رحمها الله لبنانية ..... أدعو الله أن تتحسن الظروف أكثر
    سلامي لك

  4. أفلاطونية

    الحمد لله مازلنا نصلي ... :pro:

    نعم أتذكر أني أبكي أحيانا في اللحظات التي تكون بيني وبين ربي .. قد تكون هي حالتي النفسية سببت ذلكـ .. وأحيانا صوت القارئ له أثر كبير على النفس وأحيانا أخرى كلمات القرآن هي من تزلزل داخلكـ ..

    ماذا أقول عن ليالي رمضان .. رمضان لايشعر به إلا عند مداومتكـ لصلاة التراويح
    جعل الله علينا وعليكم هذه السنة مباركة بعيدة عن التناحر بين المسلمين

  5. Okbah

    حفظك الله عوني.. إنما هي قطرتان وأثران
    وعينان لا تمسهما النار.. عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله
    رزقنا الله تلك العينين

  6. Dantil

    :

    _أبكي كثيراً أثناء الدعاء
    حينما أدعو الله أشعر أنه في قلبي
    قريب جداً مني
    أُفكَّر في دعواتٍ كثيرة , أرتبها لأقولها
    حينما أبدأ أبكي بالشدة أكتفي بقول :
    يارب , حقق ما يتمناه قلبي , ليس كله
    بعضه سيجعلني سعيدة
    يارب إني وكلتكَ أمري , أنت وليي ولا ولي لي غيرك
    حينما أصل لهذا الجزء تحديداً يكون للبكاء حكاية مختلفة

    الظروف التي تجعلني أبكيـــ
    لأكون صادقة معك يا عوني حالتي النفسية
    نادراً ما أتأثر بما يقوله المشائح في الدعاء
    لا يؤثر بي حقيقة إلا مشاري العفاسي
    إن سمعته يدعو تخنقني الغصَّة
    غالباً ماأدعو بدونِ الإستماع لشيء بيني وبيني
    وهنا بكائي يكون أكثر ..

    _في بلدي رمضان جميل جداً
    وجود الحرم والتفكير في كافةِ الناس القادمين إلينا
    من بلدانٍ مُختلفة
    يجعل الأمر مختلف حقيقة :heart:
    غير هذا لا يشعر برمضان إلا القريب من ربه
    في الأمكنةِ كلها ..

    ,

    ألف شكر لهذه التدوينة :pro:

  7. ليزر

    عوني، تدوينة رقيقة عذبة... أكاد ألمس حروفك.

    ليس عندي كثير لأقوله، لكنك وضعتنا في قلب لبنان مختلف. الهدوء، التراويح، صلاة القيام، الدعاء، والبكاء...

    أذوق حلاوة البكاء حين أكون ساجدا لربي، في خلوتي، وأدعوه من كل قلبي. حين يلحّ الدعاء، فأفقد كل الموانع وأنطلق في دموع لا تتوقف. لم أجرب أن أبكي في حضرة آخرين، لكن قلبي ضعيف حين الموعظة. أتذكر محاضرة كان الحديث فيها عن الموت (إن كنتُ أذكر)، أتذكر أن الجميع خشعت قلوبهم وأصواتهم، وبكى كثيرون... لم أبكِ حينها، لكن قلبي كان يخفق بشدة.

    شكرا لك يا عوني على كل هذه الروحانية.

    ولبيروت، السلام.

  8. rana

    بالفعل تدوينة أكثر من رائعة استطعت نقل الاحساس بصدق تماماً وصلنا كما هو َ ..
    أكثر لحظات بكائي هي عند الدعاء , وخاصة في رمضان وأثناء التفكير بأن أبواب السماء قد فتحت وأن الدعاءَ ان شاءالله لن يرد ومستجاب

    الله يتقبلنا جميعاً يارب

  9. سيمفونيات أنثى

    تدوينة فريدة من نوعها
    يبكيني صوت الشيخ سلمان العتيبي
    لا أحب أن أبكي أمام الناس
    ولكن عندما أخلو بيني وبين نفسي أستلقي عادة على سريري وأرفع آيات قرءانية بصوت القارئ سلمان العتيبي وأدع دموعي تنساب بكل سلاسة بينما أفكر فيما فعلت وماذا فعلت وأحسب ذنوبي وكم أنا مقصرة

    الله يتقبل منا ويعفو عنا ^.^

  10. Pen

    تقبل الله منك أخي عوني
    تدوينك هنا لم أجد له مثيلاً قط.
    حروفك منسابة ومختلطة بالإيمانيات التي تشرح الصدر وتوسع على النفس
    رزقنا الله الاخلاص قولاً وعملا..
    والحمد لله أنني لا اضيع فرضاً واحداً في رمضان وغيره. وأتمنى من الجميع أن يحرصوا على هذه الصلاة التي هي عمود الدين وصلبه.

  11. محب الخير

    والله تقريبا هذي اول مرة اشارك فيها فيها دائما اقرا واشوف صور في منتديات بس ما قد شاركت

    انا الحين جالس اسمع صوت سلمان العتيبي وقريت اللي كتبتو والله اني عايش في =جو ثاني جو ايماني والله شي مبكي
    والله تشعر بحلاوة البكاء طعم جددددددددددددا جميل
    وروح ثانية زي ما قال اخونا جزاك الله خير على اللي كتبتو لكن والله انصح اي واحد ما جرب هذا الجو الايماني انو يجربو
    يا ناس حسو بطعم القران خاصة لمن يكون شخص او قارئ او اي واحد صوتو حلو وخاشع
    بالله اسمعو دا الصوت وقولولي كيف
    http://uk.youtube.com/watch?v=K_KdDbqsE-4&feature=related

    وجزاكم الله خير

  12. فاعل خير

    :pro: :pro: :pro: :pro: ما شاء الله عليكم يا هيك المسلمين والشباب يا بلا يا ليت كل الناس هيك لانو بصراحة في ناس قلبا اسود متل الحجر لا بتصلي ولا بتدعي بس هما برمضان انو يخلص وبس يجي وقت الاكل بتلاقيون متل اللي صرلو شهر مانو ااكل..........اشكرك اخي ع الموضوع .........والسلام عليكم ورحم الله وبركاتة :heart: :flower: :heart:

  13. بكاء

    السلام عليكم و رحمة الله
    اثناء البكاء في الصلاة يختلط الخشوع و الطمع في ما عند الله لانك بين يدي الله تبين عجزك للواحد الاحد الصمد و هي لحظات لا تكرر كثيرا الا عند الخاشعين
    الكلمات لها دور كبير أما الصوت ياتي تتويجا لها وتصل الى القلب اولا قبل العقل بعدها يبدأ البكاء الخالص لله الحبيب الرحيم

    قال تعالى في سوره السجده

    انما يومن باياتنا الذين اذا ذكرو بها خرو سجدا و سبحو بحمد ربهم و هم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا و مما رزقناهم ينفقون

    اللهم اجرنا من النار

    اللهم أعز الاسلام و المسلمين

    اللهم اسألك كل من مسلم بكى أمامك في رمضان خوفا و طمعا ان تغفر له و تربط بينهمو بين حاجته

    اللهم صل وسلم وبارك على محمد و على اله و صحبه اجمعين

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بـ